نعوم تشومسكي يشخّص “استراتيجيات التضليل” العشر
19 يوليو, 2017 في 11:53 صباحًا

2017-07-19_110457

كاميرا الأردن – في معظم الحوارات بين أواخر الصحفيين المحترفين المؤمنين حتى الآن بدورهم في إعلاء راية “السلطة الرابعة”، يدور الحديث عن استراتيجيات “مخفيّة” يحيكها أصحاب النفوذ والحظوة و/ أو أركان “السيستم” عبر استغلال وسائل الإعلام لتأليب الرأي العام أو تضليله بعيدا عن حوكمتهم الفاسدة.
تاريخيا، أثبتت وسائل الإعلام قدرتها على تشكيل الرأي العام وحماية قيم المجتمع، إضافة إلى دورها في إسناد الديمقراطية وتجذيرها. وكان الفرسان الأوائل يسائلون المتنفذين عن وعودهم ويسعون إلى كشف مخالفاتهم المحجوبة- المقصودة أو غير المقصودة- تلك التي تمس حياة الناس وأرزاقهم ونوعية الخدمات الأساسية المفترض توفيرها مقابل الضرائب.

لكن على نقيض ذلك، وظّفت وسائل إعلام لتدمير حركات سياسية ومجتمعية ناشئة وبخاصة في دول ذات أنظمة بوليسية تضعضت شرعيتها بالتوازي مع خسارتها لاحترام الشعب بسبب ممارسات القمع والفساد المتجذرة. هذه الأنظمة وبطانتها تحرّك وسائل إعلام من خلف الكواليس للحفاظ على مكاسب طبقة “الكريما السياسية” المحيطة بها، بعد أن عجزت عن توفير عيش كريم، حرية، وعدالة اجتماعية لدافعي الضرائب.
الحال هذه تنطبق عليها الحكمة القائلة: “الفقير يشتري الصحيفة والغني يشتري رئيس التحرير”!

 ففي حالات أخرى سمحت وسائل إعلام لنفسها بتوفير غطاء لشرعنة الحروب، وتلاعبت بالأزمات الاقتصادية حين اصطفت في خنادق متضادة. كما ركبت موجة تيارات أيديولوجية معينة من خلال تسويق ذاتها على أنها صانعة للحقيقة وقادرة في التأثير على السيكولوجيا الجمعية.
الناقد الدولي المعروف نعوم تشومسكي، أستاذ اللغويات في إحدى أعرق الجامعات الأميركية وأحد الأصوات الكلاسيكية لما يسمّى بـ”المعارضة المثقفة” يضع أصبعه على الجرح في مقال بعنوان: “عشر استراتيجيات أساسية تمارس للتضليل” من بوابة الإعلام.
في هذا المقال يحدّد تشومسكي للقرّاء مفاتيح لتعرية هذه الاستراتيجيات عبر فهم الأدوات السيكولوجية المستخدمة وتحليلها. بعض هذه الأدوات بدائي والآخر متقدم ومعقد، وإن كانت جميعها فعّالة في خدمة هدف واحد: حشد رأي عام حول تعبئة طارئة تخدم “السيستم” وأتباعه في أي مكان، وإن كانت هناك بعض الاختلافات. بعض هذه الأدوات تستبطن الغباء، الشعور بتأنيب الضمير، وأخرى تعزّز تشتّت الفكر أو تصطنع المشاكل ثم تعرض حلولا لها، بعيدا عن المصلحة العامة.
فما هي هذه الأدوات التي مرّت بالتأكيد على عديد شعوب خلال العقود السابقة، وإن غدت أكثر تأثيرا بعد ثورة المعلومات وقدرة وسائط التواصل المجتمعي – فيسبوك، تويتر، إنستاغرام وسناب تشات وغيرها- على اختراع أخبار ملفقّة وبثّها. انكشفت مثل هذه الحملات الهادرة في العالم الغربي في غمرة حملات الانتخابات الرئاسية الأميركية، وقبلها التعبئة الشعبية التي سبقت خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي “البريكست”. العالم العربي يعاني من هذه الاستراتيجيات منذ بدايات صناعة الصحافة؛ حقبة إعلام اللون الواحد (السيطرة الحكومية) ثم دخول مقربين من الحكومات أو (السيستم) على خط الاستثمار في الإعلام لحشد الدعم للصوت الرسمي، ولكن بصورة أبهى وأكثر دهاء باستخدام تكنولوجيا متقدمة، بحيث يتداخل السياسي بالمهني والحزبي وعالم رجال المال والأعمال على حساب دور الإعلامي الأصلي.
فيما يلي الاستراتيجيات الأكثر انتشارا كما يحدّدها تشومسكي:
– استراتيجية تشتيت الذهن (الإرباك/ الحيرة أو الإلهاء): أهم آلية للسيطرة على المجتمع لإزاحة اهتمام الرأي العام عن قضايا مهمّة صوب متغيرات تفرضها النخب السياسية والاقتصادية عبر تقنيات الضخ المتواصل لأخبار غير مهمة، هدفها تشتيت التركيز على قضايا مصيرية محدّدة. استراتيجية التشتيت هذه أساسية لوقف الاهتمام الشعبي في الحصول على معلومات أساسية تتعلق بمحاور مهمّة في حيواتهم  أو قد تساعدهم على فهم الموضوع بصورة واضحة قبل اتخاذ قرار قائم على حقائق. تشجّع هذه الاستراتيجية على الشعور بالغباء أو تعزز خلق شعور بتأنيب الضمير، كما تلهي الشعب بحيث لا يعود لديه أي وقت للتفكير.
– استراتيجية خلق المشاكل ثم طرح الحلول: تخلق مشكلة أو تعرض حال معينة بحيث تستدرج ردّة فعل عكسية بين الجمهور لتعبيد الطريق أمام قبول هذا القرار. مثال: اصطناع العنف في الأطراف وتضخيمه (خارج المدن الكبرى)، أو افتعال اعتداء دام كيما يتقبل الشعب بل يشجّع أيضا على تطبيق قوانين بحزم على حساب الحريات. كذلك افتعال أزمة اقتصادية، بحيث يتقبّل المجتمع حلولا صعبة لها حتى ولو على حساب الحقوق الاجتماعية أو تعطيل الخدمات العامة.
– استراتيجية التدرج: بحيث تتغلغل لدرجة غير مقبولة من خلال تطبيق أمر ما لسنوات متلاحقة. هذه الطريقة التي اتبعت لفرض معطيات اقتصادية واجتماعية مهدّت الطريق لفرض النيوليبرالية خلال ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي وصولا إلى تقليص دور الحكومات أمام خصخصة متوحشة قائمة على توزيع عوائدها داخل دائرة ضيقة على حساب المجتمع. يندرج ضمن التدرج أيضا تضخيم البطالة وغياب الوعود بتعديل الرواتب، بحيث تتفادى حصول ثورة لو نفذّت كل تلك الأمور في أوقات متزامنة.
– استراتيجية المماطلة والتأجيل:  إحدى الطرق لبناء تقبّل مجتمعي حيال توجّه غير شعبي، بينما يروج له على أنه قرار “ضروري ومؤلم” لحشد تقبّل مجتمعي آني لقرارات ستطبق لاحقا. فمن الأسهل تمرير القرار لاحقا لأن الناس تعتقد عادة وبكل بساطة بأن كل شيء سيكون أفضل في المستقبل وأنه لا مجال لتأجيل عملية التضحية هذه. هذه الاستراتيجية تمنح المجتمع وقتا أطول للتكيف مع فكرة تغيير أمر ما وتقبّله عندما يحين موعد التغيير حتى ولو جاء على قناعاتهم.
– التعامل مع الشعب وكأنه طفل غير ناضج: من خلال إعلانات ومواقف يروج لها باستخدام مفردات تنحت خصيصا للتعبير عن مواقف، ثم إشعال جدال بطريقة مبسطة وركيكة، وكأن المتلقي طفل أو ناقص عقل، بحيث لا يتم التفكير بهذا القرار من زاوية نقدية.
– اللعب على العواطف أكثر من الفكر: استخدام تقنية اللعب على الغرائز طريقة كلاسيكية للالتفاف على التفسير العقلاني. هذه الطريقة تفتح الطريق أمام الغيبية على حساب الواقعية لتطبيق أفكار أو أماني أو خلق مخاوف ومشاعر قلق وردود أفعال تلقائية مؤيدة.
– إبقاء المجتمع مغيبا وترسيخ الانطباع لديه بأن قدراته محدودة:بحيث تتضاءل قدرة المجتمع على فهم أساليب تستخدم للسيطرة عليه والتعامل مع طبقاته كعبيد أو “توابع”. تحت هذه الاستراتيجية، تكون نوعية التعليم المقدم لمحدودي الدخل ضعيفة وذات نوعية سطحية حتى لا يتمكن الفقراء من اللحاق بنوعية التعليم المتوافرة لأصحاب الحظوظ من ذوي الدخل المرتفع.
– تشجيع العامة على الرضوخ للأمر الواقع وتقبّل كل شيء: بحيث يروّج بين العامة بأن الحقيقة هي أن التوجه الدارج يكمن في بقائك غبيا وغير متعلم.
– إلقاء اللوم على الذات: بحيث يقبل الناس لوم أنفسهم على حظّهم المتعثر لأنهم ليسوا من أصحاب الذكاء، الكفاءة والقدرة. وبدلا من أن تتمرد هذه الطبقات ضد السياسات الاقتصادية، يتحول الشعور الفردي إلى لوم الذات تلقائيا، بما يخلق اكتئابا من شأنه كبح القدرة على الحركة. وبدون حراك لا تتحقق الثورات.
– خلق شعور بأن السلطة تفهم الفرد أكثر مما يفهم نفسه:خلال السنوات الخمسين الماضية أجّجت العلوم المتسارعة وأحدثت بونا شاسعا بين مستويات معرفة الغالبية وتلك الأدوات التي تسيطر عليها النخبة. وباستغلال ثورة علوم الأحياء والأعصاب وتطبيقات السيكولوجيا، يطوّر “السيستم” قدرة على فهم الناس نفسيا وجسديا على نحو أعمق من معرفتهم بأنفسهم. يعني ذلك أنه وفي معظم الحالات، فإن “السيستم” يمارس سيطرة أكبر ونفوذا أقوى على الأفراد مما يمارسونه على أنفسهم.
يبدو أن تشومسكي سكب في هذا المقال عصارة تجربته الثرية في السياسة والحكمة والأكاديميا على امتداد سبعة عقود. فهل يدرك خبايا أدوات السيطرة والتضليل، التي تمارسها السلطات للبقاء على الكرسي على حساب تجهيل الشعوب. يتكئ هذا المفكّر الأميركي إلى خلفيته الثورية ومعاركه الفكرية في نقد ما يصفه بـ”الليبرالية المتوحشة” وسياسة بلاده الخارجية، بخاصة صولاتها العسكرية حول العالم منذ منتصف القرن العشرين ومطلع الألفية الثالثة.

الإسم

بريدك الإلكتروني

العنوان

المرفقات

رسالتك

captcha

للإ تصال عن طريق:

البريد الإلكتروني : contact@jordancamera.com الهاتف : 00962779999101